فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال القاسمي:

{لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}.
{لا تَعْتَذِرُوا} أي: لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فالنهي عن الإشتغال به وإدامته إذ أصله وقع {قَدْ كَفَرْتُمْ} أي: أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن فيه وباستهزائكم بمقالكم {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} أي: بعد إظهاركم الإيمان.

.تنبيه [على أن اللاعب والجادّ في إظهار كلمة الكفر سواء]:

قال في الإكليل: قال إلكيا: فيه دلالة على أن اللاعب والجادّ في إظهار كلمة الكفر سواء، وأن الإستهزاء بآيات الله كفر- انتهى-.
قال الرازي: لأن الإستهزاء يدل على الإستخفاف، والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان، والجمع بينهما محال.
وقال الإمام ابن حزم في الملل: كل ما فيه كفر بالبارئ تعالى، واستخفاف به، أو بنبيّ من أنبيائه، أو بملك من ملائكته، أو بآية من آياته عزَّ وجلَّ، فلا يحلّ سماعه، ولا النطق به، ولا يحلّ الجلوس حيث يلفظ به. ثم ساق الآية.
وقوله تعالى: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ} أي: لتوبتهم وإخلاصهم، أو تجنبهم عن الإيذاء والإستهزاء {نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} أي: مصرّين على النفاق، أو مُقدمين على الإيذاء والإستهزاء.

.تنبيه [على ما روي في صفة استهزاء المنافقين]:

روي في صفة استهزاء المنافقين روايات عدة: قال ابن إسحاق: كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت، أخو بني عَمْرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مُخَشَّن بن حُمَيّر، ويقال مَخْشِيّ، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا. والله! لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال، إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين، فقال مخشن بن حمير: والله! لوددت أن أقاضى على أن يُضرَبَ كل منا مائة جلدة، وأنا ننقلب أن ينزل فينا قرآن، لمقالتكم هذه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر: «أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى! قلتم: كذا وكذا». فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت- ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على ناقته-: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله عزَّ وجلَّ فيهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}.
وقال مخشن بن حمير: يا رسول الله! قعد بي إسمي وإسم أبي، وكان الذي عُفِيَ عنه في هذه الآية.
مخشن، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله تعالى أن يقتله شهيدًا لا يعلم بمكانه فقتل بيوم اليمامة، فلم يوجد له أثر انتهى.
وقال عِكْرِمَة: ممن إن شاء الله تعالى عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها، تقشعر منها الجلود، وتوجَل منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتيلًا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت.
قال: فأصيب يوم اليمامة، فما من أحد من المسلمين إلا وقد وُجِدَ غيره.
ومما روي في استهزائهم أن رجلًا من المنافقين قال: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى النبيّ صلوات الله عليه وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فقال: {أَبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَآيَاتِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} الآية، وهو متعلق بسيف الرسول، وما يلتفت إليه صلى الله عليه وسلم.
قال الزجاج: الطائفة في اللغة أصلها الجماعة، لأنها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة. انتهى.
وإيقاع الجمع على الواحد معروف في كلام العرب. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم}.
لمّا كان قولهم: {إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: 65] اعتذارًا عن مناجاتهم، أي إظهارًا للعذر الذي تناجَوا من أجله، وأنّه ما يحتاجه المتعَب: من الارتياح إلى المزح والحديثثِ في غير الجدّ، فلمّا كشف الله أمر استهزائهم، أردفه بإظهار قلّة جدوى اعتذارهم إذ قد تلبّسوا بما هو أشنع وأكبر ممّا اعتذروا عنه، وهو التباسهم بالكفر بعد إظهار الإيمان.
فإن الله لمّا أظهر نفاقهم.
كان ما يصدر عنهم من الاستهزاء أهون فجملة {لا تعتذروا} من جملة القول الذي أمر الرسول أن يقوله، وهي ارتقاء في توبيخهم، فهي متضمّنة توكيدًا لمضمون جملة {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون} [التوبة: 65]، مع زيادة ارتقاء في التوبيخ وارتقاء في مثالبهم بأنّهم تلبّسوا بما هو أشدّ وهو الكفر، فلذلك قطعت الجملة عن التي قبلها، على أنّ شأن الجمل الواقعة في مقام التوبيخ أن تقطع ولا تعطف لأنّ التوبيخ يقتضي التعْداد، فتقع الجمل الموبَّخ بها موقع الأعداد المحسوبة نحو واحد، اثنان، فالمعنى لا حاجة بكم للإعتذار عن التناجي فإنّكم قد عُرفتم بما هو أعظم وأشنع.
والنهي مستعمل في التسوية وعدم الجدوى.
وجملة: {قد كفرتم بعد إيمانكم} في موضع العلّة من جملة: {لا تعتذروا} تعليلًا للنهي المستعمل في التسوية وعدم الجدوى.
وقوله: {قد كفرتم} يدلّ على وقوع الكفر في الماضي، أي قبل الاستهزاء، وذلك أنّه قد عُرف كفرهم من قبل.
والمراد بإسناد الإيمان إليهم: إظهارُ الإيمان، وإلاّ فَهُم لم يؤمنوا إيمانًا صادقًا.
والمراد بإيمانهم: إظهارهم الإيمان، لا وقوع حقيقته.
وقد أنبأ عن ذلك إضافة الإيمان إلى ضميرهم دون تعريف الإيمان باللام المفيدة للحقيقة، أي بعد إيمان هو من شأنكم، وهذا تعريض بأنّه الإيمان الصوري غير الحقّ ونظيره قوله تعالى الآتي: {وكفروا بعد إسلامهم} [التوبة: 74] وهذا من لطائف القرآن.
{إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}.
جاءت هذه الجملة على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالتبشير للراغب في التوبة تذكيرًا له بإمكان تدارك حاله.
ولمّا كان حال المنافقين عجيبًا كانت البشارة لهم مخلوطة ببقية النذارة، فأنبأهم أنّ طائفة منهم قد يُعفى عنها إذا طلبت سبب العفو: بإخلاص الإيمان، وأنّ طائفة تَبْقى في حالة العذاب، والمقام دالّ على أنّ ذلك لا يكون عبثًا ولا ترجيحًا بدون مُرجّح، فما هو إلاّ أنّ طائفة مرجّوة الإيمان، فيغفر عمّا قدّمته من النفاق، وأخرى تصرّ على النفاق حتّى الموت، فتصير إلى العذاب.
والآيات الواردة بعد هذه تزيد ما دلَّ عليه المقام وضوحًا من قوله: {نسوا الله فنسيهم} إلى قوله: {عذاب مقيم} [التوبة: 67، 68].
وقوله بعد ذلك: {فإن يتوبوا يك خيرًا لهم وإن يتولّوا يعذّبهم الله عذابًا أليما في الدنيا والآخرة} [التوبة: 74].
وقد آمن بعض المنافقين بعد نزول هذه الآية، وذكر المفسّرون من هذه الطائفة مخشيَّا بن حُمَيِّر الأشجعي لمّا سمع هذه الآية تاب من النفاق، وحسن إسلامه، فعدّ من الصحابة، وقد جاهد يوم اليمامة واستشهد فيه، وقد قيل: إنّه المقصود بالطائفة دون غيره فيكون من باب إطلاق لفظ الجماعة على الواحد في مقام الإخفاء والتعمية كقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله» وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي المدينة بقية من المنافقين وكان عمر بن الخطاب في خلافته يتوسّمهم.
والباء في {بأنهم كانوا مجرمين} للسببية، والمجرم الكافر.
وقرأ الجمهور {يُعفَ وتُعذبْ} ببناء الفعلين إلى النائب، وقرأه عاصم بالبناء للفاعل وبنون العظمة في الفعلين ونصب {طائفة} الثاني. اهـ.

.قال الشعراوي:

{لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)}
وهل سبق للمنافقين إيمان ثم جاء كفر؟ لا، ولكن قوله تعالى: {قَدْ كَفَرْتُمْ} يعني: أنكم أيها المنافقون قد فضحتم أنفسكم؛ لأنكم كنتم تعلنون الإيمان فقط، ثم أظهر الحق أن إيمانكم إيمان لسان لا إيمان وجدان.
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} انظر إلى رحمة الله، وكيف أنه- جَلَّ وعلا- لم يوصد باب التوبة أمامهم، بعد أن كشف ما في نفوسهم، هنا يعلن له الحق أن الطائفة التي ستتوب توبة صادقة، والتي لم تشترك في هذا الخوض سيغفر لهم الله. أما الذين بَقَوْا على نفاقهم وإجرامهم- والإجرام هو القطع، وجرمت الثمرة أي قطعتها، وسمي إجرامًا لأنه قطع حقًا عن باطل- أي الذي قطعوا واقعهم بقلوبهم وسلوكهم عن الإيمان، فسوف يعذبهم الحق سبحان. اهـ.

.قال الشوكاني في الآيات السابقة:

{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ}
قوله: {وَمِنْهُمُ} هذا نوع آخر بما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم، على وجه الطعن والذم {هو أذن}.
قال الجوهري: يقال: رجل أذن: إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم، أقمأهم الله، أنهم إذا آذوا النبيّ وبسطوا فيه ألسنهم.
وبلغه ذلك اعتذروا له، وقبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له، فيصدّقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدّقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم: للربيئة عين، وإيذاؤهم له هو قولهم: {هُوَ أُذُنٌ} لأنهم نسبوه إلى أنه يصدّق كل ما يقال له، ولا يفرق بين الصحيح والباطل، اغترارًا منهم بحلمه عنهم، وصفحه عن جناياتهم كرمًا وحلمًا وتغاضيًا، ثم أجاب الله عن قولهم هذا، فقال: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} بالإضافة على قراءة الجمهور.